فخر الدين الرازي
78
تفسير الرازي
أن القرآن ليس قديماً قالوا : لأن الحديث ضد القديم ، وأيضاً فلفظ الحديث يفيد من جهة العادة حدوثه عن قرب ، ولذلك يقال : إن هذا الشيء حديث ، وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضد العتيق الذي طال زمان وجوده ، ويقال : في الكلام إنه حديث ، لأنه يحدث حالاً بعد حال على الأسماع . وجوابنا عنه : أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها . المطلب الرابع : أن النظر في ملكوت السماوات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها ، أن يقال كل ما سوى الله تعالى ، فهو إما أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز أو لا متحيزاً ، ولا حالاً في المتحيز ، أما المتحيز فإما أن يكون بسيطاً ، وإما أن يكون مركباً ، أما البسائط فهي إما علوية وإما سفلية ، أما العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي ، ويدخل فيه أيضاً الجنة والنار ، والبيت المعمور ، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام ، وأما السفلية فهي : طبقات العناصر الأربعة ، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز ، وأما المركبات فهي أربعة الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان ، واستقص في تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة ، وأما الحال في المتحيز وهي الأعراض ، فيقرب أجناسها من أربعين جنساً ، ويدخل تحت كل جنس أنواع كثيرة ، ثم إذا تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها ومؤثراتها فكأنه خاض في بحر لا ساحل له . وأما القسم الثالث : وهو أن الموجود لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز ، فهو قسمان ، لأنه إما أن يكون متعلقاً بأجسام بالتدبير والتحريك ، وهو المسمى بالأرواح ، وإما أن لا يكون كذلك ، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام . أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش ، كما قال تعالى : * ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) * ( الحاقة : 17 ) ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) * ويتلوها سكان الكرسي ، وإليهم الإشارة بقوله : * ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ) * ( البقرة : 255 ) ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السماوات السبع . وإليهم الإشارة بقوله : * ( والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً ) * ( الصافات : 1 - 3 ) ومن صفاتهم ، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله سبحانه